خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 43
الأربعاء, 22 حزيران/يونيو 2016 01:32

الفرق بين البنك الربوي والبنك الإسلامي

Written by
Rate this item
(0 votes)

إذا كانت البنوك الإسلامية لا تتعامل بنظام الفائدة فأي فائدة تجنيها وما مصلحتها إذا؟ وهل ما يأخذونه مقابل الخدمة يعتبر من قبيل الربا؟ وما هي المعاملات التي يعتبرها الإسلام على أنها ربا؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

نظام الفائدة الذي تعتمد عليه البنوك التجارية نظام ربوي محرم ، يقوم على الإقراض والاقتراض بالربا ، فالبنك يقرض العميل بالفائدة ، والعميل الذي يودع المال في البنك يقرض البنك هذا المال مقابل الفائدة ، والإقراض بفائدة هو الربا المجمع على تحريمه ، وينظر جواب السؤال رقم (110112) .

والبنوك والمصارف الإسلامية تعتمد على المعاملات المباحة من البيع والشراء والمضاربة والشركة وغير ذلك من صور الاستثمار المشروع للمال ، إضافة إلى الأجور على الحوالات ، والاستفادة من أسعار الصرف وتبادل العملات .

وهذا مثال بسيط للفرق بين المعاملة الربوية والمعاملة المشروعة وكيف يستفيد البنك عند إجرائه إحدى المعاملتين : فلو أراد العميل الاستفادة من ماله وتنميته ، فأودع المال في حساب التوفير بالبنك الربوي ، فإن البنك يفرض له فائدة معلومة ، مع ضمان رأس المال ، وهذا في حقيقته قرض ربوي ، قرض من العميل للبنك . وفائدة البنك هي الاستفادة من المال المودع ، ليقرضه إلى عميل آخر مقابل فائدة تؤخذ من العميل ، فالبنك يقترض ويقرض ، ويستفيد من الفارق .

وأما البنك الإسلامي فإحدى طرق استثماره أن يأخذ المال من العميل ليضارب به في تجارة مشروعة أو إقامة مشروع سكني ونحوه ، على أن يعطي للعميل نسبة من الأرباح ، والبنك كعامل مضاربة له نسبة أيضا ، ففائدة البنك في النسبة التي يخرج بها من أرباح المشروع ، وقد تكون أكثر بكثير مما يجنيه البنك الربوي من الحرام ، لكن يدخل في المضاربة عامل المخاطرة ، وبذل الجهد في اختيار المشروع النافع والقيام عليه ومتابعته حتى يؤتي ثماره .

فالفرق بين البنك الربوي والبنك الإسلامي في هذا المثال ، هو الفرق بين القرض الربوي المحرم ، والمضاربة المشروعة التي قد يخسر فيها العميل ماله ، فلا ضمان فيها لرأس مال ، لكنه إن رَبِحَ ربح مالا حلالا .

والمقصود : أن البنك الإسلامي أمامه طرق كثيرة مشروعة لجني الربح ، ولهذا بدأت هذه البنوك في النمو والازدهار ، بل تسعى بعض الدول غير المسلمة لتطبيق نظام المصرفية الإسلامية ، لأنه يحقق الربح ، ويتلافى مفاسد النظام الربوي الذي هو سبب الخراب والخسران .

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (113852) .

ثانيا :

المعاملات الربوية كثيرة ، منها : الإقراض والاقتراض بالفائدة ، ومنها : مبادلة العملات بعضها مع بعض (بيع العملة بعملة أخرى) مع تأجيل البدلين أو أحدهما ، ومنها : مبادلة الذهب بالذهب متفاضلاً أو نسيئة ، ومنها : أمور ترجع في حقيقتها إلى القرض الربوي ، كخصم الأوراق التجارية ، وحساب التوفير ، وشهادات الاستثمار ذات العوائد أو الجوائز ، وغرامات التأخير على بيع التقسيط أو السحب بطاقة الائتمان ، ويمكنك الاطلاع على هذه المسائل من خلال الموقع .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

الأربعاء, 22 حزيران/يونيو 2016 01:29

لا يصح البيع بثمن مجهول ، ولا إلى أجل مجهول

Written by
Rate this item
(0 votes)

السؤال:

رجل لديه قطعة أرض ، احتاج إلى المال فأراد بيعها ، جاءه أحد أقربائه وأعطاه المال الذي يريد على أن يكون من ثمن الأرض ، لكنهما لم يتفقا على الثمن ، ولا موعد سداد باقي الثمن ، ومر على ذلك سنة ونصف وثمن الأرض في زيادة .

فهل يحسب ثمن الأرض بالثمن الحالي ؟ أم يحسب ثمنها في وقت أخذ بعض ثمنها في الماضي ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

لا يصح البيع بثمن مجهول ؛ لما فيه من الغرر ، فمن شروط صحة البيع العلم بالثمن .

قال ابن حزم رحمه الله في "المحلى" (7/ 512) :

" وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ مُسَمًّى ، كَمَنْ بَاعَ بِمَا يَبْلُغُ فِي السُّوقِ ، أَوْ بِمَا اشْتَرَى فُلَانٌ ، أَوْ بِالْقِيمَةِ ، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ " انتهى .

وقال الدسوقي رحمه الله في "حاشيته" (3/ 15) :

" فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الثَّمَنِ وَالْمُثْمَنِ مَعْلُومَيْنِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي ، وَإِلَّا فَسَدَ الْبَيْعُ " انتهى .

وقال ابن عابدين رحمه الله في "حاشيته" (4/ 529) :

" وَشَرَطَ لِصِحَّتِهِ مَعْرِفَة قَدْرِ مَبِيعٍ وَثَمَنٍ " انتهى .

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

" جهالة الثمن تؤدي إلى بطلان البيع ؛ لأن من شروط البيع العلم بالثمن " .

انتهى من "الشرح الممتع" (8/ 233) .

راجع جواب السؤال رقم : (134752) .

ثانيا :

كما لا يصح البيع ـ كذلك ـ إلى أجل مجهول .

قال النووي رحمه الله :

" اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ " .

انتهى من "المجموع" (9/ 339).

وقال النفراوي المالكي رحمه الله في "الفواكه الدواني" (2/ 80) :

" وَمِثَالُ الْغَرَرِ فِي الْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ : أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلَى الْيَسَارِ ، أَوْ حَتَّى يَقْدمَ زَيْدٌ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ ، وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ ، وَلَا الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، كَأَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ ، وَالثَّمَنُ مِنْ أَوْلَادِهَا أَوْ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَسَارُ " انتهى مختصرا .

وعلى ذلك :

فبيع هذه الأرض بالصفة الواردة في السؤال : بيع فاسد ؛ لجهالة الثمن ، وجهالة الأجل في باقي الثمن .

وعليهما أن يترادّا : فيرد البائع إلى المشتري ماله ، ويرد المشتري إلى البائع أرضه ، ثم يعقدا الصفقة من جديد ، بسعر يومها ، أو بما يتراضيان عليه .

سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن امرأة باعت قبل وفاتها بنحو شهرين نخلها بألف ريال حالة وخمسين صاعا في كل سنة مدة حياتها، وثمرة نخلة غير معينة في كل سنة أيضا مدة حياتها.

فأجاب :

" هذا العقد معلوم الفساد، لجهالة الثمن ، وجهالة مدة حياة المرأة ، وإذا تبين فساد العقد ، فإن التقابض الذي ذكرتم غير صحيح ، حيث قد نص العلماء على أن المقبوض بعقد فاسد حكمه حكم المغصوب : فيرده بزيادته .

وعلى هذا فيعتبر هذا النخل لم يخرج عن ملك المرأة ، فتكون قد ماتت والنخل في ملكها ، ومن ضمن تركتها ، فيجري فيه الميراث ويستحقه ورثتها الشرعيون ، ويكون ما قبضت من المشتري من تمر ودراهم دينا عليها يوفى من تركتها " .

انتهى من "فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (7/ 49-50) .

وينظر : "البيان والتحصيل" ، لابن رشد الجد (8/ 58) .

والله تعالى أعلم

موقع الإسلام سؤال وجواب

الأربعاء, 22 حزيران/يونيو 2016 01:24

حكم الاستثمار في البنك الإلكتروني العربي

Written by
Rate this item
(0 votes)

السؤال: عندي سؤال بخصوص شراء أسهم في البنك الإلكتروني العربي على الشبكة العنكبوتية.هل هو حلال أو حرام يوجد أول بنك عربي اسمه البنك الإلكتروني العربي على الشبكة العنكبوتيه..وهو يقول أن تعاملاته كلها حلال في حلال وقد كتب في موقعه هذه الفتوى ؟ -ما هو موقف الشريعة الإسلامية من هذه المعاملات وهل هذه الأرباح تمثل فائدة ربوية؟؟ الجواب: حلال 100% ولنسرد ذلك بالأدلة الشرعية : بداية يجب أن نحدد مفهوم الربا حتى تستطيع تحديد موقف هذه الأرباح الفائدة الربوية يشترط أن تقوم على الإقراض والاقتراض أي انك تقترض مبلغا من المال ثم تعود لتسدد هذا القرض بقيمه تفوق المبلغ الأصلي. الشرط الثاني لتتحقق الفائدة الربويه هو أن يصرف هذا المبلغ بنسب ثابتة دون المشاركة على الربح والخسارة.. هنا يجب إن نتوقف ونشرح ماذا يتم تحديدا في المعاملات الخاصة بنا : أولا : أن تشتري أسهم في البرنامج الاستثماري الخاص بالشركة ثم تعيد بيع الأسهم لها مرة أخرى أي أن المعاملة بيع وشراء و لا علاقة لها بالإقراض .. ثانيا: الأرباح لدينا متغيره حسب فترة استثمار الأسهم الخاصة بالشركة وليست ثابتة وبذلك تنتفي هنا شروط الفائدة الربويه الثابتة. أرجو يا شيخ أن تفيدني في هذا الأمر وهل هو حلال أم حرام فأنا أريد أن اشتري أسهم ويوجد كثيرا من معارفي اشتروا ونريد أن نتأكد خوفا من الوقوع في الحرام وهذا هو موقع البنك وشرح كامل http://www.egoldcashu.com/ . أرجو الإطلاع على الموقع لتكون الأمور أكثر وضوحا الله يجزيك الجنة

الجواب :

الحمد لله

بعد الإطلاع على الموقع وقراءة جميع ما ورد فيه تبين أن لا يجوز الاستثمار في هذا البنك ، لعدم توفر شروط الاستثمار الشرعي ، وهي :

الشرط الأول : أن يستثمر البنك الأموال في أعمال مباحة ، كإقامة المشاريع النافعة وبناء المساكن ونحو ذلك ، والبنك لم يبين أوجه الاستثمار التي سيضع فيها الأموال ، ولا تجوز المشاركة فيه حتى يبين ذلك .

الشرط الثاني : عدم ضمان رأس المال ، فلا يلتزم البنك برد رأس المال في حال حصول الخسارة ، فإذا كان رأس المال مضمونا فهذا عقد قرض في الحقيقة ، وما جاء منه من فوائد يعتبر رباً .

والبنك المسئول عنه يضمن رأس مال العميل ، وينص على ذلك صراحة ، ومن ذلك قوله :

" هل يمكن أن أخسر قيمة الأسهم ورأس المال كاملا أو جزء منه ؟

إطلاقــــاً ، ليس هناك خسائر بأي حال من الأحوال حيث إن قيمة السهم الأصلي للشركة ثابتة ولا تتغير وترد بالكامل في نهاية المدة المقررة للبرنامج وهي 12 شهر " انتهى من موقع البنك.

وهذا مخالف لدعواه قبل ذلك عن المشاركة في الربح والخسارة ، ويبدو أنها دعوى سيقت للترويج بأنه استثمار غير ربوي .

الشرط الثالث : أن يكون الربح محددا متفقا عليه من البداية ، لكنه يحدد بنسبة من الربح لا من رأس المال ، فيكون لأحدهما مثلا 10% أو 20% من الأرباح التي يقدرها الله عز وجل.

وأما البنك المذكور فإنه يحدد الربح من رأس المال المساهَم به ، وقد جاء هذا صريحا أيضا ، فمن ساهم بألف دولار في الخطة البرونزية حصل على ربح قدره 1200 دولار ، إضافة إلى ضمان رأس المال .

ومن ساهم بألف دولار في الخطة الفضية حصل على ربح قدره 1600 دولار ، إضافة إلى ضمان رأس المال.

وهكذا الحال فيما سماه الخطة الذهبية والماسية .

فتبين بهذا أنه لا فرق بينه وبين غيره من البنوك الربوية ، فالعميل يودع فيها مبلغا ، ويأخذ عليه أرباحا محددة من قدر رأس ماله ، مع ضمان رأس المال في حال الخسارة ، والجميع يسمي ذلك استثمارا ، أو مضاربة ، والحقيقة أنه قرض ربوي محرم ، لأن رأس المال إذا كان مضمونا ، فهو قرض ، وإذا انبنى عليه الفائدة أو الربح المشروط فهو قرض ربوي .

فالواجب تحذير أهلك ومعارفك من الاشتراك في هذه المساهمة الربوية الصريحة ، ونصح من دخل فيها بوجوب الخروج منها واسترداد ماله .

هذا ما يتعلق بالحكم الشرعي ، وننبه إلى أنه - من خلال الإطلاع على الموقع - لا توجد أي ضمانات حقيقية تحفظ للمساهمين أموالهم وحقوقهم ، والاعتماد على "التجربة خير برهان" شيء مضحك ، وكذلك وضع كشف حساب لأسماء بعض المشاركين وبيان أرباحهم، فهذا لا يعجز عنه أي محتال، ولو شارك مليون "ضحية" في هذا المشروع ب 100 دولار ، لحصل البنك على 100 مليون دولار !! ، ولا مانع حينئذ أن تعطى بعض الأرباح "الربوية" لبعض المساهمين ، لتحصل الدعاية المطلوبة ، فالواجب الحذر من التعامل مع الجهات غير المعتمدة من مؤسسات النقد الدولية ، ولو فرض أنها موافقة للشريعة ، فكيف إذا خالفتها .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

الأربعاء, 22 حزيران/يونيو 2016 01:18

مسائل في أحكام السمسار والوسيط التجاري

Written by
Rate this item
(0 votes)

السؤال:

ما حكم أخذ عمولة السمسرة من الطرفين ، أو من أحدهما دون علم الآخر ؟

الجواب :

الحمد لله

أولا :

أجرة السمسرة والوساطة يجوز أن تؤخذ من البائع أو المشتري أو منهما ، بحسب الشرط أو العرف ، وإلى هذا ذهب المالكية ، فإن لم يكن شرط ولا عرف ، فهي على البائع عندهم .

قال الدكتور عبد الرحمن بن صالح الأطرم حفظه الله : " فإذا لم يكن شرط ولا عرف ، فالظاهر أن يقال : إن الأجرة على من وسّطه منهما ، فلو وسطه البائع في البيع كانت الأجرة عليه ، ولو وسطه المشتري لزمته الأجرة ، فإن وسطاه كانت بينهما " انتهى من " الوساطة التجارية " ، ص 382.

وينظر : "حاشية الدسوقي" (3/ 129).

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (13/ 129) : " كثر الجدل حول مقدار السعي الذي يأخذه الدلال، فساعة (2.5) في المائة، وساعة (5) في المائة، فما هو السعي الشرعي، أو أنه حسب الاتفاق بين البائع والدلال؟

ج8، 9: إذا حصل اتفاق بين الدلال والبائع والمشتري على أن يأخذ من المشتري أو من البائع أو منهما معا سعيا معلوما جاز ذلك، ولا تحديد للسعي بنسبة معينة ، بل ما حصل عليه الاتفاق والتراضي ممن يدفع السعي جاز، لكن ينبغي أن يكون في حدود ما جرت به العادة بين الناس ، مما يحصل به نفع الدلال في مقابل ما بذله من وساطة وجهد لإتمام البيع بين البائع والمشتري، ولا يكون فيه ضرر على البائع أو المشتري بزيادته فوق المعتاد " انتهى .

بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز "

ثانيا :

إذا عمل السمسار لأحد المتعاقدين ، لم يجز له أن يتواطأ مع الطرف الآخر على زيادة السعر أو إنقاصه ؛ لأن ذلك من الغش وخيانة الأمانة ، لا سيما إذا كان السمسار يتولى العقد ؛ لأنه وكيل حينئذ ، والوكيل مؤتمن ، وما يربحه فلموكله .

قال في "مطالب أولي النهى" (3/132) : " ( وهبة بائعٍ لوكيلٍ ) اشترى منه , ( كنقصٍ ) من الثمن , فتُلحق بالعقد ( لأنها لموكله ) " انتهى .

ولو اقتصر دوره على الدلالة على البائع أو المشتري – دون العقد-، ولم يُحدَّد له سعر معين ، بل طُلب منه البحث عن أفضل الأسعار – بيعا أو شراء- كان تواطؤه مع غير من استعمله غشا وخيانة .

على أن من الفقهاء من يكيف السمسرة عامة بأنها وكالة بأجرة ، وينظر: " الوساطة التجارية "للدكتور عبد الرحمن بن صالح الأطرم ص 115

ثالثا :

إذا عمل السمسار لأحد المتعاقدين نظير جعل معين ، لم يلزمه إعلام الطرف الآخر به ، ولو أضيف الجعل إلى الثمن ، ما لم يكن في ذلك زيادة فاحشة تؤدي إلى الغبن ، فتمنع من هذا الباب .

فلو قال البائع : بع هذا بمائة ، ولك منها عشرة ، وكان ثمن السلعة في السوق تسعين، لم يلزم إعلام المشتري بعمولة السمسرة ، ما دام المشتري قد رضي بالثمن ، ولم يكن ثمة خداع أو تغرير .

وقد نص جماعة من الفقهاء على أن أجرة الدلال من التكاليف التي تضاف إلى الثمن في بيع المرابحة القائم على الأمانة في الإخبار بالثمن ، فأولى أن يضاف إلى الثمن في بيوع المماكسة التي لا يلزم فيها الإخبار بالثمن الأصلي .

قال الكاساني وهو يتحدث عن بيع المرابحة : " لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْحَقَ بِرَأْسِ الْمَالِ أُجْرَةُ الْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَالْغَسَّالِ وَالْفَتَّالِ وَالْخَيَّاطِ وَالسِّمْسَارِ وَسَائِقِ الْغَنَمِ، وَالْكِرَاءُ، وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَفُ الدَّوَابِّ، وَيُبَاعُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً عَلَى الْكُلِّ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ أَنَّهُمْ يُلْحِقُونَ هَذِهِ الْمُؤَنَ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَعُدُّونَهَا مِنْهُ " انتهى من "بدائع الصنائع" (5/ 223).

سئل الشيخ خالد المشيقح حفظه الله :

" لدي مكتب في إحدى دول الشرق وظيفته كوكيل بين البائع والمشتري، يأتي المشتري من أي دولة، فأساعده على الشراء والشحن ، ومقابل هذا عمولة متفق عليها، هل هذه العمولة حلال أم حرام؟ لو أخذت من المصنع عمولة بعد كتابة العقد وموافقة المشتري عليه، لكن هذه العمولة بدون علم المشتري؟ - جزاكم الله خيراً-.

فأجاب :

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ما تأخذه من عمولة هذه أجرة سمسرة ودلالة، وهذه الأجرة جائزة في الأصل؛ لقوله الله - عز وجل-: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" [المائدة:1]، وأيضاً قول الله - عز وجل-: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة:275]، وأيضاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المسلمون على شروطهم" رواه الترمذي (1352) وأبو داود (3594) وغيرهما من حديث عمرو بن عوف المرني - رضي الله عنه - إلا إذا تضمن ذلك محذوراً شرعياً، كمخالفة نظام يضربه أهل البلد، أو نظام يكون عليه المتعاقدان البائع والمشتري ....إلخ، المهم إن كان هناك مخالفة لما تعارف عليه المتعاقدان ، أو اتفق عليه المتعاقدان ، أو ما تُعورف عليه في ذلك البلد، وأنه ليس له أن يأخذ عمولة من المصنع إذا أخذ عُمولة من المشتري، وهكذا، فإنه لا يجوز، أما إذا لم يكن شيء من ذلك فالأصل في ذلك الإباحة " انتهى من "فتاوى الإسلام اليوم".

وينبغي أن يستثنى من ذلك حال الضرر بالمشتري ، أو المتعاقد ، من جراء مغالاة السمسار في أجرته ، أو تحكمه في العقد مراعاة لمصلحته .

سئل الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله :

" من أراد أن يبيع أرضاً بمائة فقال له آخر: أبيعها لك بمائة وعشرين، وسأخبر المشتري أن صاحب الأرض يريد مائة وعشرين، وتم البيع فأعطى البائع مائة، وأخذ هو العشرين إلى جانب نسبته من المشتري، فهل هذا يصح، أثابكم الله؟

فأجاب : هذه المسألة فيها أكثر من سؤال:

أولاً: بالنسبة للمالك الحقيقي للأرض إذا قال لك: بعها بمائة، فإنك تراعي حقوق إخوانك المسلمين، خاصة إذا وجدت أنهم يحتاجون إلى هذه الأراضي، أو أن الأشخاص الذين سيشترون منك أشخاص يعوزهم المال، فعليك أن تتقي الله ، فهذا من النصيحة لعامة المسلمين.

ولا ينبغي للإنسان أن يكون كثير الجشع كثير الطمع دون أن ينظر إلى حقوق إخوانه وحوائجهم، ولو فعل غيره به ذلك لما رضي بهذا، والمسلم يحب لإخوانه ما يحب لنفسه ، ويكره لإخوانه ما يكره لنفسه ، فلا ينبغي له أن يبالغ بالأرباح مع إمكان البيع بالأقل....

إلى أن قال: والأفضل أن يتقي الله في إخوانه، وألا يجعل أرباحه الخاصة على وجه الإضرار بالسوق " انتهى من "شرح زاد المستقنع".

ويحسن أن يستثنى من ذلك أيضا : ما لو كان المشتري صديقا أو قريبا يُحسن الظن بالسمسار ، فإنه إن لم يعلم بالسمسرة وأخذِ العمولة ، كان في ثناء السمسار على السلعة وعرضها عليه : تغرير له .

سئل الدكتور صلاح الصاوي :

" أخذت مبلغًا من المال كعمولة بدون أن يعلم الطرف المشتري ، فهل هذا حرام أم حلال؟

فأجاب :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه و من والاه؛ أما بعد:

فإن الأصلَ في عمولة السمسار الحِلُّ ، إذا كانت الصفقة التي يتوسط لإتمامها صفقة مشروعةً، ولكن ما سألت عنه يختلف باختلاف الحال، فإن كان المشتري يتوقَّع منك هذا العمل تطوعًا بلا مقابل ، لما يربطكما من سابق صلة وحميمية علاقة- فلا ينبغي لك أن تأخذ هذه العمولة التي لا يتوقَّعها المشتري. أمَّا إذا لم يكن الأمر كذلك فهو على أصل الحِلِّ . واللهُ تعالى أعلى وأعلم " انتهى.

والله أعلم

موقع الإسلام سؤال وجواب

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 23:40

ما حكم عقود الخيارات في الأسهم ؟

Written by
Rate this item
(0 votes)

السؤال:

ما حكم التعامل بما يسمى "خيار الأسهم" والذي هو عبارة عن امتياز يباع للناس ويمنح بموجبه المشتري الحق في شراء أو بيع سهم ما بالسعر الذي يُتفق عليه خلال مدة من الزمن أو في تاريخ محدد؟

الجواب  :

الحمد لله

عقود الخيارات  أو ما يعرف بـ Option contracts "  "

ويُعرَّف  هذا العقد بأنه : " عقد بعوض على حق مجرد، يخول صاحبَه بيع شيء، محدّد، أو شراءه بسعرٍ معينٍ، طيلة مدةٍ معلومةٍ، أو في تاريخٍ محدّدٍ، إما مباشرة، أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين." انتهى من " الاختيارات، دراسة فقهية " د . عبدالوهاب أبو سليمان ضمن "مجلة مجمع الفقه" ع 7 ( 1/279 ) .

وأبرز أنواع عقود الاختيار نوعان :

النوع الأول : خيار الطلب أو الشراء    " Call option "

وهو اتفاق يعطي حامله الحق ( وليس الإجبار) في شراء سهم معين أو أية أوراق مالية أخرى بسعر محدد خلال فترة محددة غالباً ما تكون تسعين يوماً.

ويسمى السعر المتفق عليه بين الطرفين بالسعر الضارب  " strike price "

وعليه فإن هذا الخيار يعطي المشتري الحق في تنفيذ الشراء أو إلغائه خلال فترة محددة ، أما البائع فلا يملك التراجع عن الصفقة مادام قد قبض ثمن الخيار وهو ما يعرف بالعمولة أو ،    " premium "    فالمشتري حصل على الأمان ضد انخفاض قيمة الصفقة, والبائع حصل على العمولة الإضافية لقيمة الصفقة وقت العقد إذا ما أتم المشتري الشراء.

النوع الثاني: خيار العرض أو الدفع  "" put option

وهو اتفاق يعطي مشتري هذا الخيار- وهو مالك الأوراق المالية- الحق في بيع عدد معين من الأسهم أو الأوراق المالية الأخرى بسعر معين خلال فترة محددة ، وليس عليه إجبار بالبيع فهو بالخيار، أما قابض ثمن الخيار فهو مجبر على الشراء إذا ما قرر مشتري هذا الحق البيع بالسعر المتفق عليه خلال الفترة المحددة.

ينظر للتوسع فيها كتاب " أحكام التعامل في الأسواق المالية المعاصرة " ( 2/ 1005-1079 ) .

ومما سبق يتبن أن المعقود عليه - في هذا النوع من العقود - هو مجرد الحق بالشراء أو البيع بثمن معيّن ، وليس المعقود عليه أسهماً معينّة ، فالمبيع هو الاختيار نفسه ، وأن هذا العقد ملزم لأحد الطرفين وهو " بائع الاختيار" أو " محرر الاختيار " وغير ملزم للطرف الآخر وهو " مشتري الاختيار " .

وهذا النوع من العقود بصورته الراهنة في الأسواق المالية ولما يتضمنه من الغرر والميسر صدرت قرارات وفتاوى بتحريم بيعه وتداوله.

جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم: 63 ( 1/7 ) :

" إن عقود الاختيارات - كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية - هي عقود مستحدثة لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة.

وبما أن المعقود عليه ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه : فإنه عقد غير جائز شرعاً .

وبما أن هذه العقود لا تجوز ابتداءً فلا يجوز تداولها " انتهى  .

وهذا ما أيده قرار " ندوة البركة " السابعة عشرة للاقتصاد الإسلامي والذي جاء فيه ما يلي:

" حيث إن الاختيارات هو حق اختيار الشراء أو البيع لسلعة ما بشروط محددة لقاء عوض عن ذلك الحق وتقوم إدارة المتعاقدين علي توقعات متضادة لتقلبات الأسعار، فإن الندوة ، انطلاقا من أن إرادة المتعاقد ومشيئته ليست محلا للعقد ولا للعوض عنها ، تؤكد علي قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم  63 ( 1/7 ) .. " انتهى.

http://www.islamfeqh.com/Kshaf/List/ViewDecisionDetails.aspx?DecisionID=1639

 ويقول  د. سامي بن إبراهيم السويلم :

" خيارات الأسهم المتداولة في الأسواق العالمية، سواء كانت خيارات شراء (call options) أو خيارات بيع (put options) هي من عقود الغرر المنهي عنها شرعاً، وبذلك صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة عام (1992م) برقم (63).

والذي جعل هذه العقود من الغرر: أن وظيفتها مرهونة بتغير السعر، بحيث لا تسمح بربح كلا طرفي العقد، ففي خيار الشراء يدفع المشتري مبلغاً معيناً (premium)، بحيث يكون له الحق في شراء السهم، أو الأسهم بسعر ثابت طوال مدة الخيار، فإذا ارتفع سعر السوق لهذه الأسهم عند الأجل، نفذ المشتري البيع فيربح الفرق بين سعر السوق وسعر التنفيذ (strike price)، وكذلك الحال بالنسبة لخيار البيع، حيث يدفع مالك الأسهم مبلغاً محدداً مقابل أن يكون له الحق في بيع الأسهم بسعر ثابت طوال مدة العقد، فإذا هبط سعر السوق عند الأجل نفذ المالك البيع فيربح الفرق بين سعر السوق وسعر التنفيذ، وبطبيعة الحال فإن هذا الربح بعينه يمثل خسارة للطرف الآخر، إذ لو كان اتجاه تغير السعر معلوماً مسبقاً لما تم العقد؛ لأنه سيمثل خسارة محققة لأحدهما.

فالاختيارات من أدوات المجازفة على الأسعار، وهي من ضمن العقود التي جعلت الاقتصادي الفرنسي موريس آليه يصف البورصات العالمية بأنها "كازينوهات قمار ضخمة"، وذلك أن حقيقة القمار هي أن يربح أحد الطرفين على حساب الآخر، وهذا بالضبط ما يحصل في عقود الاختيارات في الأسواق الدولية.

وهذا بخلاف عمليات البيع والشراء العادية للأسهم (التي لا تنطوي على محظور شرعي)؛ لأن عقد البيع عقد فوري ينتهي بمجرد إبرام الصفقة، فيكون لكل طرف كامل الحرية في التصرف بعد التعاقد، دون أي التزام من أحد الطرفين للآخر، أما عقد الاختيار فهو عقد مؤجل يلتزم فيه أحد الطرفين للآخر بتحمل مخاطر السعر مدة الخيار، فحقيقة العقد أن مُصدر الخيار يقدم التزاماً أو ضماناً للطرف الآخر بتنفيذ العقد عند السعر المتفق عليه، فهو عقد معاوضة على ضمان السعر، ولذلك يعد الاختيار من عقود التأمين في واقع الأمر، ولذلك يستخدم للتأمين على المحافظ الاستثمارية (portfolio insurance)، ومعلوم أن عقد التأمين (التجاري) عقد غرر باتفاق المجامع الفقهية، والعلة واحدة في الأمرين، والعلم عند الله تعالى" انتهى من " فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم" .

والحاصل :

أن هذا النوع من المعاملات هو من المعاملات المحرمة ، والتي لا يجوز ابتداؤها ولا تداولها .

والله أعلم

موقع الإسلام سؤال وجواب

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 23:35

هل يجوز دفع الزكاة لمن كان يتعامل بالربا؟

Written by
Rate this item
(0 votes)

السؤال : هل يجوز دفع زكاة المال في دفع مديونية بطاقة ائتمان؟

الجواب :

الحمد لله

أولاً :

يحرم التعامل "ببطاقة الائتمان" المشتملة على فرض غرامة مالية عند التأخر في سداد القرض ؛ لأنه شرط ربوي محرم .

وقد سبق تفصيل الكلام على هذه البطاقات في جواب السؤال (106245).

 ثانياً :

من مصارف الزكاة التي بينها الله في كتابه " الغارمين " ، والغرم هو الدَّين ، فمن استدان لدفع حاجته وقضاء مصالحه ، ثم عجز عن سداد الدين ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يسدد به دَينه ، وبالمقدار الذي عجز عن تسديده .

ويشترط لدفع الزكاة للمدين الغارم :  أن لا يكون دَينه في معصية ، فمن غرم في معصية ، كالخمر ، والقمار ، والربا ، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة إلا إذا تاب ، وأقلع عن هذه المعصية وندم عليها ، وعزم على عدم فعلها مرة أخرى ، فلا حرج من إعطائه من الزكاة وإعانته على التوبة .

قال المرداوي : " إذَا غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، بِلَا نِزَاعٍ ". انتهى "الإنصاف" (3/ 247)

وقال الشوكاني : " وأما اشتراط كونه في غير معصية فصحيح ؛ لأن الزكاة لا تصرف في معاصي الله سبحانه ، ولا فيمن يتقوى بها على انتهاك محارم الله عز وجل". انتهى "السيل الجرار" (2 / 59).

وينظر جواب السؤال (99829) .

وبما أن أخذ القرض عن طريق " البطاقة الائتمانية " محرَّم ؛ فلا يجوز تسديده من مال الزكاة ، إلا إذا تاب من ذلك ، وندم ، وعزم على عدم العودة إلى هذه المعصية ، ففي هذه الحال يعطى من مال الزكاة ليسدد قرضه .

قال الماوردي : "  فَإِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، وَكَانَ مُصِرًّا عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ عَلَيْهَا بِتَحَمُّلِ الْغُرْمِ فِيهَا ". انتهى "الحاوي" (8 / 508) .

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :

"مسألة : من غرم في محرم هل نعطيه من الزكاة؟

الجواب : إن تاب أعطيناه ، وإلا لم نعطه ، لأن هذا إعانة على المحرم ، ولذلك لو أعطيناه استدان مرة أخرى" انتهى .

"الشرح الممتع" (6/235) .

وقال الدكتور عمر سليمان الأشقر : " ومن ادَّان بالربا فلا يجوز قضاء دينه من مصرف الغارمين في الزكاة ، إلا إذا تاب وأناب من التعامل بالربا " انتهى .

من ضمن "أبحاث الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة" صـ210 .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 23:31

حكم الاتجار في العملات في السوق السوداء

Written by
Rate this item
(0 votes)

ما حكم الدين في تجارة العملات الأجنبية بالسوق السوداء دون التقيد بسعر الصرف الرسمي والثروة الناجمة عن هذه التجارة ؟

الحمد لله

يجوز الاتجار بالعملات بشرط أن يحصل التقابض في مجلس العقد ، فيجوز بيع اليورو بالدولار بشرط أن يقع الاستلام والتسليم في مجلس العقد ، وأما إذا اتفقت العملة كأن يبيع دولاراً بدولارين فهذا لا يجوز لأنه من ربا الفضل ، فإذا اتحدت العملة فلابد من التساوي والتقابض في مجلس العقد ، وإذا اختلفت العملة اشترط التقابض فقط ؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) رواه مسلم (1587) .

والعملات النقدية الموجودة اليوم لها ما للذهب والفضة من الأحكام .

ولا فرق بين بيع العملات فيما يسمى بالسوق السوداء أو في السوق النظامية .

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : ما الحكم الشرعي في تبادل العملات (في السوق السوداء) مثلا 3000 دج بـ 3000 فرنك فرنسي، مع العلم أن التبادل عن الطريق الشرعي هو مثلا 300 دج بـ 340 فرنك فرنسي .

فأجابوا : "إذا كان التبادل بين عملتين من جنس واحد، وجب التساوي بينهما، والتقابض بالمجلس، وحرم التفاضل بينهما، وحرم تأخير القبض فيهما، أو في إحداهما شرعا، وإذا كانتا من جنسين جاز التفاضل بينهما شرعا، سواء كان ذلك في السوق السوداء أم في غيرها، وحرم تأخير بعضهما أو إحداهما" انتهى .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان الشيخ عبد الله بن قعود .

"فتاوى اللجنة الدائمة" (13/444) .

وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : ما هو حكم الدين في تجارة العملة، وهو ما يسمى بالسوق السوداء ؟

فأجاب : "الاتجار ببيع العملات بعضها مع بعض يسمى بالمصارفة، سواء كان في البنوك أو في السوق الحرة .

وإذا اتحد جنس العملات؛ كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والريال السعودي مثلاً بالريال السعودي، والمصري بالمصري؛ وجب شيئان : التساوي في المقدار، والتقابض في مجلس العقد . فإن اختلَّ الشرطان أو أحدهما؛ كان ربا .

وإن اختلف جنس العملات؛ كأن باع ذهبًا بفضة، أو ريالاً سعوديًا بجنيه مصري مثلاً؛ وجب شيء واحد، وهو التقابض في مجلس العقد، وجاز التفاضل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأجناس؛ فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد . . . ) الحديث [ رواه مسلم في صحيحه ( 3/1211 ) ] .

فالاتجار بالعملات، يحتاج إلى بصيرة بالحكم الشرعي، وتحفظ شديد من الوقوع في الربا " انتهى من "المنتقى من فتاوى الفوزان".

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 23:28

المال المستثمر تجب الزكاة فيه وفي ربحه

Written by
Rate this item
(0 votes)

لدى مبلغ من المال أستثمره في أحد البنوك الإسلامية والأرباح التي تأتي منه أنفق به على أهلي وأبنائي على الاحتياجات الضرورية وأحتاج إلى آخر قرش منه وأريد أن أؤدي زكاته فهل أخرج الاثنين والنصف في المائة من المبلغ الإجمالي وبهذا أعجز عن النفقة على أبنائي لأنه سيكون مبلغا كبيرا من الأرباح ؟ أم أخرج هذه النسبة من الأرباح فقط وبالتالي سيكون هذا المبلغ يسيرا علي وأريد أن أحافظ على رأس المال ، لأنه يساعدنا كثيرا على العيش .

الحمد لله

المال المستثمر الذي يدر ربحا ، تجب الزكاة فيه وفي ربحه ، عند مرور الحول على الأصل ، إذا كان نصاباً .

فقد ذكر ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (2/258) أن ربح مال التجارة يجب ضمه إلى رأس المال إذا مرت سنة على رأس المال ، وتخرج الزكاة عن الجميع ، وقال : " لا نعلم فيه خلافا " انتهى .

وعلى هذا ، فيلزمك أن تخرج الزكاة عن المبلغ الإجمالي ( رأس المال وربحه ) .

ولو فرض أن هذا سيؤثر على نفقتك على أولادك ، أو يستلزم الأخذ من رأس المال ، فهذا لا يغير من حكم المسألة ، ومعلوم أن الإنسان قد تجب عليه الزكاة ، لملكه النصاب ، ويكون هو مستحقا للزكاة أيضا ؛ لأن ما لديه لا يكفيه .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " فإن قال قائل : كيف يمكن أن يكون الإنسان مزكيا ، وله أن يأخذ الزكاة ؟

فنقول : " ليس فيه غرابة ، لو كان عند الإنسان نصاب أو نصابان لا يكفيانه للمؤنة ، لكنهما يبقيان عنده إلى الحول فهنا نقول نعطه المؤنة ونأمره بالزكاة ، ولا تناقض " انتهى من "الشرح الممتع" (2/562).

وينبغي أن توقن أيها الأخ الكريم بأن الزكاة لا تنقص المال ، بل تباركه وتنميه وتزيده ، وقد أقسم على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ ) رواه مسلم (2588). ورواه الترمذي (2325) بلفظ : ( ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ : مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ ، وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا ، وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ) صححه الألباني في صحيح الترمذي .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب

الثلاثاء, 21 حزيران/يونيو 2016 23:26

الفرق بين الأسهم والسندات

Written by
Rate this item
(0 votes)

نعلم أن الأسهم تجب فيها الزكاة ، فهل السندات أيضاً عليها زكاة ؟ وكيف تحسب زكاتها ؟

الحمد لله

أولاً :

أما زكاة الأسهم فقد سبق في السؤال (69912) تفصيل القول في زكاتها ، وأن من الأسهم ما تجب فيه الزكاة ، ومنها ما لا تجب فيه الزكاة .

وأما السندات فهي غير الأسهم .

فالسند هو تعهد مكتوب بمبلغ من الدَّين ( قرض ) لحامله في تاريخ معين نظير فائدة مقدرة .

أما السهم فهو نصيب الشريك في رأس مال شركة مساهمة .

ومن هذين التعريفين يتبين الفرق بين الأسهم والسندات .

الفرق بين السهم والسند :

1- السهم يمثل حصة في الشركة بمعنى أن صاحبه شريك , أما السند فهو يمثل دَيْناً على الشركة , بمعنى أن صاحبه مقرض أو دائن .

وبناءاً على هذا , لا يحصل صاحب السهم على الأرباح إلا حين تحقق الشركة أرباحاً فقط , أما صاحب السند فيتلقى فائدة ثابتة سنوياً سواء ربحت الشركة أم لا .

وبناءاً على هذا أيضاً : إذا خسرت الشركة فإن صاحب السهم يتحمل جزءاً من هذه الخسارة حسب الأسهم التي شارك بها , لأنه شريك ومالك لجزء من الشركة , فلابد من تحمله جزءاً من الخسارة , أما صاحب السند فلا يتحمل شيئاً من خسارة الشركة لأنه ليس شريكاً فيها , وإنما هو مقرض فقط ، مقابل فائدة متفق عليه سواء ربحت الشركة أم خسرت .

حكم التعامل بالسندات :

التعامل بالسندات محرم شرعاًَ , لأنها قرض مقابل فائدة متفق عليها ، وهذا هو الربا الذي حرمه الله تعالى وتوعد عليه بقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) البقرة/278، 279 .

وقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء . رواه مسلم (2995) .

وجاء في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت عام 1403 هـ /1983 م : " أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو عين الربا المحرم شرعاً " انتهى .

"مجلة المجمع الفقهي" ( 4/1/732 ) .

وانظر جواب السؤال (2143) .

زكاة السندات :

بالرغم من تحريم التعامل بالسندات فإن الزكاة واجبة فيها لأنها تمثل دَيْناً لصاحبها , والدَّيْن الذي يُرجى تحصيله تجب فيه الزكاة عند جمهور العلماء , فيحسب زكاته كل عام ، ولكن لا يلزمه إخراجها إلا إذا قبض قيمة السند , أما الفائدة التي يأخذها مقابل السند فهي مال خبيث محرم ، يجب عليه التخلص منه في أوجه البر المتنوعة .

والقدر الواجب إخراجه من الزكاة هو 2.5 بالمائة

الإسلام سؤال وجواب

Rate this item
(0 votes)

ما هو تعليقكم فضيلة الشيخ محمد المنجد بخصوص ما حصل من الأزمة المالية

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات شرعية مع الأزمة المالية

مما لا يخفى على أحد أن الأزمة المالية اليوم تعصف بالعالم شرقاً وغرباً، فهي حدثٌ عظيم أقضَّ مضاجع السَّاسة وأصحاب القرار وأرباب الفكر والاقتصاد، وهي خطبٌ جسيم، له تعقيداته وتداعياته المتعددة، يوضح ذلك الاضطراب الكبير الذي يعيشه الاقتصاديون والسياسيون، وكثرة الكتابات، وتباين التحليلات، فهم في أمر مريج، وقد أقبل بعضهم على بعض يتلاومون فيمن يتحمل مسؤولية ما حدث.

وهذه الأزمة تستوجب وقفاتٍ لبيان بعض الجوانب الشرعية المهمة المتعلقة بها:

1- الأزمة حقيقية: تهاوت فيها بنوك كبرى ومؤسسات مالية، وانحدرت فيها البورصات العالمية، وتبخرت تريليونات، وطارت مليارات من أسواق المال، وهوت دول في العالم إلى الحضيض، وملايين فقدوا أموالهم إما على هيئة أسهم، أو مدخرات أو استثمارات، وتآكلت من استثمارات الشعب الأمريكي في البورصات المالية بمقدار 4 تريليون دولار، وصارت هذه الأزمة أشبه بتسونامي يعصف باقتصاديات الكثير من الدول.

2- فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ: الاقتصاد والمال هما القاعدة الأساس للمجتمع الغربي، ولما ركنوا إليها وتركوا شريعة الله (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ).

وها نحن نرى اليوم تدميراً كبيراً يُطبق عليهم ، فأمسى البناء الاقتصادي الذي تفاخروا به وظنوا أنه يمنعهم ويحميهم سبباً لاضطرابهم وفساد أمرهم، فجاءهم البلاء من فوقهم ومن أسفل منهم، وكانوا يظنون نظامهم المالي محكماً ولكن جاءهم من جهته ما لم يكونوا يحتسبون (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ )

3- قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ: كما أن للمصائب والكوارث أسباباً مادية معروفة، فإن لها أسباباً شرعية كذلك، ووجود الأسباب المادية لا يتنافى مع الأسباب الشرعية.

فالظلم والبغي والذنوب والمعاصي وأكل الحقوق كلها أسباب لنزول المصائب بالناس، على مستوى الأفراد والجماعات، بل على العالم كله أحياناً، كما نشهده في هذه الأزمة التي تنطوي على كوارث يتبع بعضها بعضاً، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).

وفي الحديث الصحيح: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) أخرجه الطبراني في الكبير وصححه الألباني في صحيح الجامع (679).

فلم يكن ما نزل بالقوم آفة سماوية، وإنما بلاء أصابهم بذنوبهم وبما كسبت أيديهم.

4- الله يُمهل ولا يُهمل: فقد أمهلهم وهم يتعاملون بالربا، ويأكلونه أضعافًا مُضاعَفة، ويحاربونه تعالى على مر السنين ، حتى أخذهم بالنقص والبوار ، كما فعل مع فرعون وقومه من قبل: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).

وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)، ثُمَّ قَرَأَ:( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) متفق عليه.

فلا يظنن ظانٌ أنَّ الله في عليائه وكبريائه وجبروته يترك هؤلاء يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، ويكفرون به، ويقترفون كل كبيرة، ثم لا يُنزل بهم بطشه وعقوبته وعذابه.

5- مصير الباطل إلى ضعف واضمحلال: فمهما علا وارتفع فهناك يوم سينخفض فيه ولا بد، سنةٌ من سنن الله لا تتبدل ولا تتغير (حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ) البخاري(2872)

لقد تبوّأ الغربيون ذروة الاقتصاد عالمي، وقالوا:" من أشدّ منّا قوّة؟ فأنزلهم الله تعالى من صياصيهم وقلاعهم المالية، وقذف في قلوبهم الهلع والرعب، وأظهر زيف ادعاءاتهم.

6- انكسار منسأة العالم الغربي: لقد أكلت سوسة الربا والمحرمات المالية منسأة العالم الغربي، الذي كان يتظاهر أمام الناس بأنه قويٌ معتدل، بينما هو يستند على عصاً منخورة، فلما خر تبينت الجن والإنس والشرق والغرب أنَّ البناء خاو والأساس متهالك لايمكن إنقاذه وإعادته ، وقد صرح وزير المالية الألماني "بير شتاينبروك" قائلا: "إن العالم لن يعود أبداً إلى ما كان عليه قبل الأزمة ".

7- حرب الله على أهل الربا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ...) .

وهذه الحرب تتجلى اليوم بصورها المتنوعة: على الأعصاب والقلوب..على البركة والرخاء..على المال والقوة.. على السعادة والطمأنينة.

إنها حرب القلق والخوف..الساحقة الماحقة من جراء النظام الربوي المقيت..والمسعرة حتى الآن؛ تأكل الأخضر واليابس.

وهاهم اليوم يصابون بالاكتئاب والقلق والإحباط والانهيارات النفسية جراء الأزمة المالية، حتى قالت العالمة النفسية الأمريكية " نانسي موليتور": " لم أشهد يوماً طوال ممارستي هذه المهنة منذ عشرين عاماً، ما يشبه ذلك، إن مستوى القلق يحطم كلَّ الأرقام القياسية".

ووصل الأمر إلى حالات قتل وانتحار نتيجة ضغوط الأزمة.

8- (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا): والمحق حسي ومعنوي، فيذهب ببركة المال فلا ينتفع به صاحبه، أو يذهب بالمال كليةًَ كما سمعنا عن تبخر ترليوني دولار في خمسة أيام من أموال مصلحة التقاعد الأمريكية... وقد أدت الأزمة حتى الآن إلى اختفاء 16 بنكا من الساحة، من بينها بنك "إندي ماك" الذي يستحوذ على أصول بقيمة 32 مليار دولار، وودائع تصل إلى 19 مليار دولار.

بل طالتْ عملية الإفلاس سبعة بنوك كبرى في أوروبا.

ويتوقع بعض المحللين أن يتم إغلاق ما يقرب من 110 بنكا، تصل قيمة أصولها إلى حوالي 850 مليار دولار بحلول منتصف العام القادم.

9- المرابي يعاقب بنقيض قصده: (وما أَتْيتُم مِن رِباً لِيَرْبُوَ في أَمْوال النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْد الله) وفي الحديث الصحيحَ: (مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

وقد ظهر للناس من ذلك صور كثيرة، منها أن خسائر 10 أثرياء بريطانيين بلغت 40 مليار دولار، ، كما أن أحد المرابين الكبار تناقصت ثروته خلال أربعة أشهر بمعدل 7 ملايين في كل ساعة، وفي روسيا بلغت خسائرُ رجال الأعمال نحو 230 بليون دولار، ويمثل هذا المبلغ نحو 62 % من مجموع ثروات الأثرياء الروس!! فكيف حسرة أمثال هؤلاء

10- تزاوج الربا والميسر نذير خراب ودمار: وكانت من نتيجة هذا التزاوج إعلان أكبر المصارف الأمريكية إفلاسها، كمصرف "ليمان براذرز"، ومصرف "أنتجرتي"، و"واشنطن ميوتشوال"، وانهيار أكبر شركة تأمين (AIG) التي دفعت (11) بليون دولار من التعويضات, وتكبدت أكبر خسائر في تاريخها الذي يمتد إلى تسعين عاما!!.

وأصبح ما بين (2-3) ملايين أمريكي يواجهون خطر فقدان منازلهم، بسبب عدم قدرتهم على دفع الأقساط الشهرية.

ومع هذه الآثار يطالبنا بعض من في قلبه مرضٌ بالتأمين على الأرصدة ضد مخاطر الإفلاس!!

11-جزاء الطمع: الطمع والجشع، والخداع، والتدليس في العقود، مع التغرير بالناس، واستغلال حاجتهم.. أسبابٌ لها تأثيرها الواضح في الأزمة، فقد توسعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من (60) ضعف حجم رؤوس أموالها الحقيقية، طمعاً في الأرباح الكثيرة.

وقد علقت بعض صحفهم على هذه الأزمة بقولها: " لوموا الطمع".

12- مخاطر التعامل بالأرصدة الوهمية: فقد أظهرت الأزمة الفارق الكبير بين القطاع العيني من السلع والخدمات والمنتجات الحقيقية، وبين المشتقات المالية المعاصرة كالنقود الإلكترونية، والسندات المالية، والبطاقات الائتمانية على نقود وهمية..والأرصدة الإلكترونية التي لا وجود لها إلا في ذاكرة الحواسيب...تكتسب قيمتها من ضمان البنوك لها، فإذا فقدت الثقة في هذه البنوك والمؤسسات زالت قيمتها.

فماذا يفعلون بعد أن تبخرت الأرقام الفلكية للمليارات والترليونات التي كانت تتراقص على شاشات البورصات.

13- الاقتصاد الحر والفشل: هذه الأزمة أكبر دليل على فشل نظرية الاقتصاد الحر، فترك الباب مفتوحا على مصراعيه؛ ليتصرّف الفرد كما يشاء، دون قيود وضوابط لتصرفاته الاقتصادية لتنمية المال، أدى إلى تضخّم رؤوس المال لدى فئة من المجتمع.. فعُدِم التوازن وظهرت الطبقية بآثارها المخالفة لقول الله تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).

ورغم الحرية المزعومة وجدنا في حلولهم للأزمة تدخل الدولة بسلطتها لتأميم المصارف والمؤسسات المالية، وضخ الأموال لشراء الأصول، وتغيير الأنظمة، وتقييد حريات الملاك، من أجل حماية المؤسسات الاقتصادية من الانهيار.

14- تهالك المبادئ الرأسمالية: فقد أبانت هذه الأزمة عن فشل النظام الرأسمالي وعجزه عن تحقيق الأمان المالي والتوازن والعدالة الاجتماعية والاقتصادية بين فئات المجتمع المختلفة.

ولطالما تباهى الغرب بنظامه المالي، وزعم أنه أكمل ما وصلت إليه البشرية حتى قال فوكو ياما: إن المجتمع الأمريكي هو ذروة كمال البشرية، وقمة نضج الإنسانية، وليس بعده شيء.

واليوم يعترف قادة الغرب بفشل نظامهم المالي حتى وصفوه بالبالي والمهترئ.

وحتى قال الرئيس الفرنسي ساركوزي: "إننا في حاجة إلى إعادة بناء النظام النقدي والمالي العالمي من جذوره".

وتداعوا إلى قمة تجمع قادة الدول الكبرى لوضع نظام عالمي مالي جديد قبل نهاية العام.

15- أين المغترون بالنظام الاقتصادي العالمي: الذين ظنوا أنهم يأوون إلى ركن شديد، وقالوا: النظام المالي العالمي محكم لا يتطرق إليه الخلل ...ثم تبين أنهم يسيرون وراء سراب لا حقيقة له، وأنهم انخدعوا بمظاهر مزيّفة، لا تستحق الإشادة ولا التمجيد.

ولقد كان في تأخر السقوط حكمةٌ بالغةٌ من الابتلاءِ والإملاء للظالمين والمغترين بهم وكشف للمنافقين والمفتونين بمناهج غير المسلمين

16- ثم نُكسوا على رؤوسهم: فبعدما تجاوز العالم هول الصدمة الأولى للانهيار المالي خرج بعض المنافقين ومتعصبة الرأسمالية ليدافعوا عن نظامهم المالي البالي، زاعمين أن الخلل ليس فيه، وإنما في سوء تطبيقه ونقصان بعض القيود فيه، وأنه لا يحتاج إلى  تغيير وإنما يحتاج بعض التعديلات فقط وهذه مكابرة لا يستفيد أصحابها من الأحداث والعبر، (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)، (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ).

17- خطورة وضرر فصل الاقتصاد عن الإسلام: لطالما نادى المنافقون بضرورة الفصل بين الاقتصاد والدين، ولسان حالهم يقول كما قال قوم شعيب: (يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).

ما للدين وسلوك الناس الشخصي وتصرفهم في أموالهم، وحياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأسلوب الإنتاج، وطرق التوزيع ؟

لقد أبانت هذه الأزمة أن الاقتصاد إذا ابتعد عن أحكام الشريعة وقواعدها تخبط في الظلمات، وأورث الكوارث والأزمات.

18- القواعد الشرعية المالية صِمَام أمان للاقتصاد: ولما تجاوز القوم هذه القواعد الشرعية في التعاملات المالية وتعدوا حدود الله وانتهكوا حرماته من خلال: الإقراض والاقتراض بالربا، وبيع الديون، والبيوع الوهمية ، والبيع قبل القبض، وبيع ما لا يملك، وبيع الغرر والجهالة، والتعامل بالميسر والتأمين.. تسبب ذلك في نكبتهم وسقوط شركاتهم وبنوكهم..وبلغ حجم المشتقات المالية المشؤومة الهالكة المهلكة في العالم أكثر من 600 تريليون دولار.

19- الأساس السليم يورث بناء سليما:(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

فلا اقتصاد بلا نور الوحي، وليس كما ينادى المنافقون بأنه" لا اقتصاد بغير بنوك، ولا بنوك بغير ربا".

20-فرصة ذهبية للدعوة: ما حدث يعد فرصة عظيمة لأتباع النظام الاقتصادي الإسلامي ليبينوا أنه النظام الوحيد الناجح، والذي يحقق ما يحتاجه العالم.

ولقد بدأ الغربيون أنفسهم يدركون هذه الحقيقة، إذ دعت كبرى الصحف الاقتصادية في أوروبا لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي للتخلص من براثن النظام الرأسمالي الذي يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم.

حتى كتب أحدهم متسائلاً: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟".

وقالت "سواتي تانيجا" إحدى خبيرات المال في أوروبا: " إن الأزمة المالية بأمريكا تعطي فرصة ذهبية للاقتصاد الإسلامي المنافي للتعاملات الربوية" .

21- تهيؤ الأنظمة السياسية والمالية لتقبل النظام الإسلامي: بعد أن كان محارباً من قبل، وقد صدر مؤخرا كتاب للباحثة الإيطالية "لووريتا نابليوني" بعنوان "اقتصاد ابن آوى" أشارت فيه إلى أهمية التمويل الإسلامي، وقالت: "المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية ".

وبعض المصارف العربية بدأت تفكر جدياً بوقف عدد من التعاملات المصرفية ذات الثقافة الغربية الدخيلة كعمليات البيع على المكشوف، وبيع بالدين، والبيع متعدد الخيارات "الأُبشنز".

والمؤسف أنهم لم يفكروا بذلك إلا بعد أن اعتمده الغرب اتباعاً لهم حذو القذة بالقذة.

22- استثمار الأزمة في إيصال الحق للناس: إن من واجب الخبراء الماليين الإسلاميين أن يستخرجوا مفردات النظام المالي الإسلامي من القرآن والسنة ويقدموه للبشرية نظاماً مالياً كاملاً مستقلاً، لا تابعاً ولا ترقيعياً.

فليس النظام الإسلامي هو الخالي من الربا فقط، ولا المقتصر على أحكام دون أخرى، ولا المشتمل على منتجات غربية بطلاء الأسلمة ، بل هو نظام كامل مستقل يحقق مقاصد الشريعة والعدل في التعاملات المالية كافة.

23- ظهور حكمة الله في التشريع: فقد استبان لكل من له قلب ونظر بعين اليقين أن الله تعالى لا يشرع شيئاً إلا وفيه مصلحة العباد، ولا يحرم شيئاً إلا وفيه ضررهم في الدنيا والآخرة.

وهذه الأزمة المالية قد أوضحت بجلاء أضرار الربا والمخالفات المالية، فسبحان من حرمها وغلّظ تحريمها!!

وليس مستغرباً أن يكتب رئيس تحرير مجلة "تشالينجز" قائلا: "لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها، ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات".

24- الشفاء والعلاج لا يكون بما حرَّم الله: فالأموال المخصصة لإنقاذ المصارف وانتشال  النظام المالي بزعمهم مصدرها الاستدانة الربوية، أو الظلم بزيادة الضرائب، أو طبع المزيد من العملة بغير رصيد المؤدي للتضخم، وقد ذكرت صحيفة "لو باريزيان" الفرنسية أن الحكومة الفرنسية ستقدم (10.5) مليار يورو إلى 6 من المصارف بفائدة مقدارها 8% وهي قروض بالربا أيضاً من بنوك ودول أخرى.

ولسان حالهم يقول: وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ.

25- القوة المادية عند غير المؤمنين تغرُّهم وتُطغيهم: وتقودهم إلى الاستكبار في الأرض، واستعباد الآخرين، وتنسيهم قوة الله، وتجعلهم يكفرون به، ويجحدون بآياته.

وهذا هو المرض الخطير الذي أصاب قوم عاد، (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً).

وكم من الأمم والأقوام المتجبرين في الماضي والحاضر يتصرفون بالمنطق ذاته، وسيهلكهم الله كما أهلك قومَ عاد!.

وكفار اليوم ليس لديهم حصانة من بطش الله:(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ).

26- عاقبة الظلم والبغي والتكبر وخيمة: فالظالم والباغي والمتكبر في الأرض بغير الحق لا يسلم من سوء العقاب ولا يفلح (إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ).

وهاهي أقوى دولة في العالم اليوم بحاجة إلى المساعدة وتريد الاقتراض بأي وسيلة، بعد أن أنفقت في حربها الظالمة على العراق أكثر من (700) مليار دولار باعتراف بعض ساستهم، وقدر بعض باحثيهم أن كلفة مغامراتهم العسكرية في العالم بلغت (3) تريليون دولار.

27- سنة الله مع الأمم الظالمة واحدة: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)، (وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً)، (وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)

وكلمة "قارعة" نكرة تفيد العموم، فتعم كل قارعة، فقد تكون مسموعة كالصواعق والعواصف، وقد تقرع القلوب بالرعب والذعر والهلع كالانهيارات والأزمات المالية.

إنه رعب صامت على الشاشات !!.

كتب أستاذ علم السياسة والاقتصاد البريطاني "جون غري" مقالا في صحيفة "ذي أوبزيرفر تحت عنوان "لحظة الانكسار في سقوط قوة أميركا" قال فيه: "إن حقبة الهيمنة الأميركية قد انتهت" وكذلك نادى الساسة الروس وغيرهم .

28- شؤمُ المعصية يعم: وهذا ظاهر في الأضرار التي لحقت بالاقتصاديات العالمية كافة، ويؤكده قول الأمين العام للأمم المتحدة: "الأزمة المالية تهدد معيشة مليارات الأشخاص عبر العالم".

وفي رسالة بعثت بها منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" إلى 34 ألف لجنة للأمن الغذائي في أنحاء العالم ، تقول فيها: " إن انهيار أسواق المال في العالم سيتمخض عن مجاعة حقيقية تنال 36 بلدا في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بحلول 2009"..

وقد بلغت خسائر البورصات العالمية قرابة (3) تريليون دولار، وتبخرت (155) مليار دولار من بورصات الخليج في أسبوع.

وحذر رئيس منظمة العمل الدولية من فقدان حوالي 20 مليون شخص وظائفهم بحلول نهاية العام القادم على خلفية الأزمة.

وصدق الله إذ يقول: (واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

وكان من حكمة الله في ذلك تبغيض أصحاب مركز الزلزال المالي في قلوب أهل الأرض كافة باعتبارهم المسؤولين عن هذه الكارثة.

29- لله الحكمة البالغة: في قضاءه وقدره، فتقديره سبحانه مبني على حكمته، وعدله ، ذلك تقدير العزيز العليم .

ولا يخرج شيء في الكون عن مقتضى حكمته، فهو الحكيم الخبير.

ومن حكمته سبحانه جعل المصائب والكوارث سبباً للاتعاظ والتذكر والرجوع إليه، (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وقال: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

فمن الناس من يرجع إلى الله بسبب هذه الأزمة، وكثير حقَّ عليه العذاب، لا يتوب ولا يؤوب: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

30- الملك الحقيقي لله: وقد استخلف الناس في هذا المال، فما شاء أبقاه وما شاء أخذه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من شاء، وفي هذه الأزمة درس للمغترين والمغرورين السائرين على قول قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، الذين نسوا أن الله قادر على أخذهم وأخذ أموالهم وثرواتهم فجأة.

31- الإنسان هلوع جزوع: أبانت هذه الأزمة عن مدى الهلع والجزع الذي أصاب الناس كما قال تعالى: (إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلا الْمُصَلِّينَ).

فإذا أصابه المكروه جزِع، ويئس، وقنط (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ).

وقد نتج عن هذه الأزمة: حالات انتحار وقتل.. سكتات قلبية ودماغية.. جلطات وأمراض مزمنة.. وانهيارات عصبية وأزمات نفسية.. وانتهت بعض الدراسات إلى أن 57% من المتعاملين بالبورصة يصابون بالأمراض "النفس جسدية"، وفي تصريح لمنظمة الصحة العالمية: " الأزمة المالية ستزيد الاضطرابات العقلية في العالم".

أما المؤمن فحاله مختلفة تماما: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) مسلم(2999).

32- شدة تعلُّق الإنسان بالمال: وقد كانت هذه الأزمة مثالا واضحا للحقيقة التي ذكرها الله بقوله: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) أي: حباً كثيرًا شديداً.

وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ).

وكان من تأثير هذا الأمر أن أقدم بعض من خسر ماله على الانتحار، لأن المال كان كل شيء في حياته، فلما فقده لم يعد عنده للاستمرار في الحياة دافع، فأقدم على الانتحار بعد أن صار عبدا للدينار والدرهم والدولار، وهذا من نتائج تعلُّق القلب بغير الله.

33- ضعف التوكل على الله في أمر الرزق والمعاش، لقد كشفت هذه الأزمة عن مدى القلق الشديد على المستقبل، نتيجة للخوف من عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، والتخلُّص من تبعات الديون.

ولو آمن الناس بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، وبقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) لرزقهم رزقاً حسناً سهلاً ميسوراً مضموناً كما يرزق الطير.

34- في ذهاب أموال الجبابرة عبرة تذكِّر بموقف الفريقين من الطاغية قارون: وذلك لما خرج على الناس بأبهى زينته: (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

وكذلك يقول المغترون في كل زمان، وأما أهل العلم والإيمان فيقولون: (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ).

فلما خسف الله به الأرض، كانت النتيجة: ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

35- تقلب حال الدنيا وزوالها: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ).

فالدنيا ظل زائل، نعيمها يبور، وزخرفها زور (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

(وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، (وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) أي: محل الإقامة ومنزل السكون والاستقرار.

والدنيا خضرة حلوة، تغر أهلها، ولما ظن الكفار أن أموالها دائمة لهم بعدما نجحوا في التجارات والصناعات وتقدموا في الآلات والمخترعات، أتاهم أمر الله بغتة كما قال عز وجل: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

وقال سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

 

36- قصور البشر في التحليل وتوقع الأزمات: فقد كانت بعض دراسات استشراف المستقبل عند الغرب تبشر باستمرار الازدهار وتحسن أوضاع الأسواق، بل إن أحد مراكز الاستشراف تنبأ بأن عام 2009 سيكون عام ازدهار اقتصادي.

وتوقع بنك "مورجان ستانلي" الأمريكي أن يبلغ سعر برميل النفط 150 دولار، وقالوا: انتهى عصر النفط الرخيص، وتوقع آخرون بلوغه 200دولار للبرميل.

ومع تقدم العلوم الرياضية، والنظريات الاحتمالية، واختراع الحواسيب التي تقوم بالتحليل وحساب نتائج المعادلات الصعبة، ظن بعض الغربيين أن ذلك كاف في الحكم على المستقبل ومعرفته بدقة، فاتكأوا كثيرا على نتائج أبحاثهم، فكانت هذه الأزمة مخيبة لتوقعاتهم ودراساتهم، صادمة ودافعة لهم للاعتراف بقصورهم وعجزهم واعترافهم بأنهم سيعيدون حساباتهم ويعدِّلون توقعاتهم. وصدق الله القائل:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)، (يعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).

على أن بعض عقلائهم قد حذروا من هذه الانهيارات وأسبابها، ولكن لم تلق تحذيراتهم آذانا مصغية، إلا بعد فوات الأوان، وبعد أن لم يعد الإنقاذ بالإمكان.

وختاماً: نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويعز الإسلام والمسلمين، ويذل المنافقين والكافرين، ويعوض من أصيب من المسلمين خيراً، ويعظم لهم أجراً، ويوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

يليه الجزء الثاني إجراءات وعلاجات في الأزمة المالية.

الشيخ محمد صالح المنجد

الإسلام سؤال وجواب

الصفحة 1 من 141